Skip to main content

حين تعبر القصيدة الحدود: الترجمة بين حياة النص ومحاكمة صاحبه

Credits دارين طاطور September 29 2026

ثمّة كلمات تعبر الحدود فتفتح نافذة، وثمّة كلمات تعبرها فتفتح باب زنزانة. وبين النافذة والزنزانة يقف المترجم؛ لا بوصفه ناقلًا محايدًا يستبدل كلمة بأخرى، بل شريكًا في المصير الذي ينتظر النص بعد خروجه من لغته الأولى.

أؤمن أن الترجمة واحدة من أجمل الطرق التي ابتكرها الإنسان كي لا يبقى حبيس لغته. بفضلها تعبر القصيدة إلى قارئ لم يكن الشاعر يعرف أنه موجود، وتنتقل ذاكرة شعب إلى ثقافة أخرى، ويجد الإنسان نفسه في قصة كُتبت بعيدًا عنه. لكنني تعلّمت أيضًا أن هذا العبور ليس آمنًا دائمًا، وأن الترجمة التي تمنح النص حياةً أخرى قد تنتزع منه حياته الأولى إذا لم تحفظ صوته وسياقه.

فالترجمة ليست مرآة تعكس النص كما هو. كل لغة تحمل تاريخها وصورها وطرائقها الخاصة في تسمية الأشياء. وما يبدو كلمةً بسيطة في القاموس قد يحمل في ثقافة الكاتب ذاكرةً كاملة. لذلك لا يكفي أن يعرف المترجم لغتين؛ عليه أن يعرف شيئًا من الحياتين اللتين تسكنانهما، وأن يسمع ما تقوله الكلمات وما تصمت عنه.

ويصبح الأمر أكثر حساسية حين يكون النص شعرًا. فالمعنى في القصيدة لا يسكن الكلمات وحدها، بل في الإيقاع والوقفة والمجاز والغموض، وفي العلاقة الخفية بين كلمة وذاكرة جماعية. قد تحمل كلمة مثل الأرض أو العودة أو الشهيد عند الفلسطيني طبقات لا ينقلها مقابل معجمي مباشر. وإذا اختار المترجم معنى واحدًا وأغلق بقية الاحتمالات، فقد يحوّل القصيدة إلى نص آخر، وإن بدت مفرداته صحيحة.

لا أكتب هذا بوصفه افتراضًا نظريًا. فقد عشتُ بنفسي كيف تستطيع ترجمة واحدة أن تغيّر مصير إنسان. كانت قصيدتي «قاوم يا شعبي، قاومهم» قد انتقلت من العربية إلى لغة عبرية عبر مترجم لم يحفظ سياقها الشعري والسياسي، بل أعاد تشكيلها وفق معتقداته وقراءته الخاصة. تحولت القصيدة في الترجمة إلى نص يحمل اسمي ولا يحمل صوتي، وصارت هذه الصيغة مادةً في محاكمة طويلة دفعت خلالها من حريتي ثلاث سنوات سجن في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وجدت نفسي أدافع عن معنى لم أكتبه، وعن كلمات لم تعد كلماتي تمامًا. لم يعد الخطأ في الترجمة مسألة أدبية يمكن تصحيحها في طبعة لاحقة، بل أصبح دليلًا في ملف أمني، قادرًا على تقرير مصيري. هنا أدركت أن الترجمة السيئة لا تسيء إلى النص فقط؛ قد تدمّر حياة صاحبه.

في السياق الاستعماري، لا تنتقل الكلمات بين لغتين متساويتين. هناك طرف يملك الشرطة والمحاكم والسجون والإعلام والرواية الرسمية، وطرف لا يصل صوته إلى هذه المؤسسات إلا عبر لغة السلطة. وحين تُترجم قصيدة فلسطينية بعين أمنية تبحث عن التهمة قبل أن تبحث عن المعنى، يصبح المجاز موضع اشتباه، والغضب تحريضًا، والنداء الشعري أمرًا مباشرًا.

الشعر بطبيعته يقاوم المعنى الواحد، أما المؤسسة الأمنية فتريد لكل كلمة وظيفة واحدة. تُنتزع العبارة من القصيدة، والقصيدة من لحظتها التاريخية، ثم تُقدَّم الترجمة بوصفها حقيقة نهائية. وإذا اعترض الكاتب، يجد نفسه مطالبًا بإثبات براءته من نص لم يكتبه، بينما تكتسب الترجمة سلطة أعلى من الأصل. هكذا يُصادر حقه في لغته مرتين: حين يُساء نقلها، وحين لا يُسمح له بأن يكون مرجعًا في شرحها.

لهذا لا أرى الترجمة في المحاكم عملًا تقنيًا بسيطًا. إنها شهادة قد تحدد مصير إنسان. يجب أن يبقى النص الأصلي حاضرًا، وأن تُراجع الترجمة من أكثر من مترجم مستقل، وأن يُستعان بخبير أدبي حين يكون النص شعرًا، وأن يُمنح الكاتب حق الاعتراض على ما نُسب إليه. لا يجوز أن تتحول قراءة مترجم واحد إلى حكم على نية شاعر.

بعد تجربتي، عشت فترةً قاسية مع كل ما يتصل بالترجمة. كان من الصعب أن أضع كلماتي من جديد بين يدي شخص آخر. وحين احتجت إلى ترجمة بعض قصائدي إلى السويدية، عادت الصدمة مضاعفة؛ فأنا لا أعرف هذه اللغة ولا أستطيع مراجعة النص بنفسي. خفت أن أفقد سلطتي على كلماتي، وأن أرى اسمي مرةً أخرى فوق نص لا يشبه ما كتبته.

لكن البريد الأول الذي وصلني من المترجمة آنا جونسون بدأ يغيّر شيئًا في داخلي. لم ترسل ترجمة جاهزة، بل أرسلت أسئلة عن القصيدة والكلمات التي تحتمل أكثر من معنى، وعن المقصود خلف صورة لا يستطيع القاموس وحده تفسيرها. عندها بدأت أطمئن إلى أن كلماتي في يد مترجمة تبحث عن المعنى الأقرب إلى قصدي، لا عن المعنى الأسهل أو الأسرع. لم تختفِ الذاكرة القديمة، لكن الأسئلة فتحت أول شق في جدار انعدام الثقة.

ثم تغيّر مفهومي للترجمة أكثر مع صديقتي مالين نورد، التي ربطتني بها علاقة إنسانية وصداقة متينة. عملنا معًا على ترجمة مسرحية كتبتها تحكي عن مراحل مهمة ومعقدة من حياتي، ثم على عدد من قصائدي. لم تكن مالين تترجم فحسب؛ كانت تحفر بأسئلتها في الطبقات الكامنة وراء النص.

كلما وصلت إلى كلمة جاءت من ثقافتي الفلسطينية وبدت غريبة عن ثقافتها، كانت تتوقف: متى نستعمل هذه الكلمة؟ ماذا تعني لنا خارج معناها المباشر؟ في أي أجواء وُلدت القصيدة؟ متى كتبتها، ولمن، وما الذي كان يحدث في داخلي وحولي؟

أعرف أن المترجمين لا يدخلون عادةً إلى كل ما يقع خلف كواليس القصيدة، وأن الشاعر قد لا يحب الإفصاح عن هذه المساحة الخاصة. لكنني آمنت بأن طريقنا إلى ترجمة تقترب من روح الأصل يمر عبر الثقة. تجاوبت مع أسئلة مالين، لا لأن القصيدة تحتاج إلى شرح كامل، بل لأن المترجمة تحتاج إلى معرفة الأرض والبيئة التي نبتت منها الكلمات.

ما جعل قصائدي تصل إلى ثقافة أخرى وتلقى ذلك التفاعل لدى الجمهور السويدي لم يكن نقل معناها الظاهر فقط، بل فهم ما وراءها. فما وراء القصيدة هو الذي ألهم كتابتها، وقادني إلى اختيار صورة دون غيرها وكلمة تحمل ذاكرة لا تظهر في القاموس. كنا نبحث أحيانًا طويلًا عن كلمة سويدية تحمل هذا كله، وأحيانًا نقرر إبقاء الكلمة في أصلها العربي الفلسطيني؛ لأن ترجمتها قد تجعلها مفهومة ظاهريًا، لكنها تجرّدها من جسدها الثقافي.

وكلما سمعت التصفيق الحار من الجمهور للأعمال باللغة السويدية، أدركت أن الترجمة لم تعد حاجزًا بيني وبين السامعين، بل أصبحت الوسيلة التي حملت رسالتي ورسالة بلدي وشعبي الفلسطيني إليهم. هناك بدأت أرى المترجم من جديد: لا بوصفه خطرًا محتملًا على النص، بل شريكًا يمنحه حياةً أخرى من دون أن يقطع صلته بلغته الأولى.

علّمتني التجربتان أن الأمانة في الترجمة لا تعني الحرفية. قد تكون الكلمة صحيحة في القاموس وخاطئة في الشعور أو التاريخ. الأمانة هي حماية العلاقة بين المعنى والنبرة والسياق. وهي أن يعترف المترجم بأن بعض الكلمات لا تملك مقابلًا كاملًا، وأن يسأل حين لا يعرف، وأن يحافظ على الغموض المقصود بدل أن يحسمه وفق رأيه.

وحين تنجح الترجمة، لا ينتقل النص وحده؛ تنتقل معه ثقافة كاملة. يرى القارئ شعبًا اعتاد أن يراه في الأخبار كرقم أو صورة، ثم يلتقيه في قصيدة يحب ويغضب ويتذكر ويحلم. هنا تكسر الترجمة الصورة الواحدة التي تصنعها السياسة، وتعيد إلى الإنسان تعقيده وفرادته.

لكن الترجمة لا تتحقق خارج موازين القوة. هناك لغات تملك دور النشر والجامعات والإعلام، ولغات لا تعبر نصوصها إلا إذا وافقت الصورة التي يريدها الآخر عنها. لذلك أؤمن أن مسؤولية المترجم لا تقتصر على نقل الكلام؛ عليه أيضًا ألا يحوّل ثقافة الكاتب إلى زينة، وألا يخفف غضب النص كي يصبح مريحًا، وألا يفرض عليه تفسيرًا ينسجم مع السلطة أو توقعات القارئ.

لا يحتاج المترجم إلى أن يتبنى موقف الكاتب، لكنه يحتاج إلى النزاهة. يستطيع أن يختلف مع النص، لكنه لا يملك أن يعاقبه داخل الترجمة. وإذا احتمل التعبير أكثر من معنى، فعليه أن يحفظ الاحتمال أو يصرّح به، لا أن يخفي شكه داخل صيغة جازمة قد يدفع ثمنها إنسان آخر.

في اليوم العالمي للترجمة، أفكر في المترجمين الذين يمنحون الكتب أكثر من حياة، ويحملون القصائد إلى أماكن لم يتخيل أصحابها أنها ستصل إليها. وأفكر أيضًا في حجم المسؤولية التي يحملونها. فالمترجم لا يحمل نصًا فقط؛ يحمل اسم إنسان وذاكرة جماعية وصورة ثقافة كاملة في عيون قارئ قد لا يملك مصدرًا آخر لمعرفتها.

لهذا لا أسأل عن الترجمة: هل الكلمات صحيحة فقط؟ بل أسأل: هل بقي الصوت حيًا؟ هل حُفظ السياق؟ هل قربت الترجمة إنسانًا من إنسان، أم سلّمته إلى حكم مسبق؟ وماذا قد يحدث لصاحب النص إذا أخطأنا؟

الترجمة فعل اقتراب، وكل اقتراب حقيقي يحتاج إلى عناية. قد تكون يدًا تمتد إلى الكاتب عبر الحدود فتفتح لنصه فضاءً جديدًا، وقد تكون يدًا تنتزع الكلمات من فمه ثم تشير إليه بوصفه متهمًا بما لم يقل.

بين هاتين اليدين تتحدد أخلاق الترجمة.

فالترجمة الجيدة لا تنقل الكلمات فحسب؛ تنقل حق صاحبها فيها. وهذا الحق قد يكون حقًا في الأدب والثقافة والتواصل، وقد يكون، في بعض الأمكنة، حقًا في الحرية والحياة.

دارين طاطور

فلسطين

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Donate on Patreon
More ways to get involved

Search