Skip to main content

حصارٌ صامتٌ

Credits Text: Suzan Ibrahim November 29 2018

جمعة أحفاد خالد - 22 يوليو (تموز) 2011

في بيتي في حي "القابون"- دمشق

استيقظتُ في الثامنة. شربت قهوتي كالمعتاد. تنبّهتُ إلى عدم وجود تغطية للموبايل, حين أردت وضعه على الشحن. حاولت الاتصال بحمص كما أفعل كل صباح, فاكتشفت أن الهاتف الأرضي صامت أيضاً. نظرت عبر النافذة إلى الشارع. هدوء وسكون تام. ولا حتى صوت سيارة واحدة! أثار ذلك استغرابي وتساؤلي: هل سيكون يوم جمعة آخر سيئاً؟!

الطقس حار, هواء خفيف يحرِّك أوراق الشجرة الضخمة تحت نافذتي. لا حركة.. لا صوت.. حتى اليمامات اختفين!

فراشة بيضاء تحلّق. صوت محرك ضخ مياه, صوت شيخ في الجامع بدأ يعلو. صوت سحّاب معدني لأحد المحلات يرتفع. سيارة بيك آب مغطاة, زمور سيارة أخرى. غصينات شجيرة الخمّيسة الخضراء الغضة تتمايل مع النسمات. الفراشة تحوم حول الشجرة الضخمة.

تقرير على قناة "العربية" حول الشريط الحدودي السوري مع العراق,ورصد تحركات السوريين في قرية "الباغوص" المتداخلة أراضيها بين سورية والعراق والتابعة لمدينة "البوكمال" التي يحاصر مركزها الجيش السوري حسب التقرير.

مآذن عديدة ترفع أذان الظهر, تلتها خطبة الجمعة التي لم أفهم منها أي شيء!

بدأت أخبار خروج المظاهرات تتوالى على قناة الجزيرة: درعا- الكسوة- إدلب- .. بينما يفنِّد التلفزيون السوري الرسمي تلك الأخبار عبر شبكة مراسليه, في شريط الأخبار العاجلة أقرأ: تجمعات محدودة في مناطق متفرقة- تجمعات متفرقة في بعض مناطق إدلب-.

أُرهف سمعي وأطلُّ عبر النافذة. مدى الرؤية قصير فالشارع يمتد جنوباً حوالي خمسين متراً لينتهي بمنعطف, وشمالاً يمتد عشرة أمتار لينعطف نحو حي تشرين. لا سبيل إلا هذه النافذة لأتقصى خروج مظاهرة في الحي, لكنني لم أسمع شيئاً. المكان الذي تخرج منه المظاهرة عادة يبعد عن بيتي حوالي كيلومتر واحد, وتلعب الريح دوراً في إيصال الصوت أحياناً, وقد سمعت أكثر من مرة هدير الهتافات بعد خروج المصلين من الجامع بعد صلاة الجمعة, كما في كثير من الليالي بعد صلاة العشاء وهي تطالب بإسقاط النظام.

على شاشة الجزيرة الفضائية شاهد عيان (أيمن) يقول: خرج عشرة آلاف متظاهر في "كفر نبل", وأن الجيش يحاصر ويحتل المدينة ويعتقل ويطلق النار بشكل عشوائي! التلفزيون السوري يقول: مسلحون يطلقون النار على المدنيين وعلى عناصر حفظ النظام في "كفر نبل" بإدلب. كما يعرض خبراً عن تجمع محدود في "الكسوة بريف دمشق لا يتجاوز ال 150شخصاً خلافاً لما ذكرته الجزيرة.

الجزيرة: مظاهرات حاشدة في قلب مدينة حماه تطالب برحيل النظام السوري. مظاهرات حاشدة في اللاذقية تطالب برحيل النظام السوري ومظاهرات خرجت في حمص تسير بهدوء دون احتكاك مع رجال الأمن- وفق شاهد عيان- أبو سلطان من الرستن.

مصادر للجزيرة: الأمن السوري يحاصر حي القابون في دمشق!.

يمامتان تلتقطان الحَب, يدور الذكر حول الأنثى. مازال الهدوء مخيماً ولا حياة في الشارع.

أقرأ في كتاب "ليليت" أنه لم تحدث حرب دينية قبل ظهور التوحيد على الإطلاق, وقد أُطلق مصطلح الوثنية الحديثة لوصف السمة الرئيسية للاتجاه الفكري للمجتمع الحديث وهي نزعة تسود المفكرين في غالبيتهم!

إن الحرية الفكرية التي يطالب بها المفكرون الحديثون كانت متوفرة أيام الديانة الوثنية كما سميت فقد يتوفر في مجتمع ما أكثر من عشرين إلهاً, وظهور إله جديد لم يكن يشكّل مشكلة خطيرة تستدعي حرباً مدمرة, وهكذا تصبح الوثنية الجديدة مساوية للحرية الفكرية في كل الميادين وبخاصة في الدين!

أفكر: نحن نعيش وثنيةً مخاتلة! كلُّ طائفة ترسم للإله الواحد شكلاً وتعطيه اسماً وتفسر القرآن على هواها. التعددية هي السمة الطبيعية وليس التوحيد! يطالبون بتعددية سياسية واقتصادية وثقافية فكيف ننجز ذلك في ظل وحدانية دينية يكفّر كل طرف فيها الطرف الآخر, وقد يعطف عليه من عليائه الكهنوتي ليمنحه التسامح لا المساواة!

فكرت: يمكنني أن أحشد في روايتي القادمة شهرزاد, وليليت, وأطلنطا الفتاة الصيادة, وفتاة البراري, وإيميلين إيرهارد أول امرأة قامت بالطيران فوق الأطلسي.. ليكنَّ بطلاتي!

السادسة والنصف مساء. مازالت الاتصالات مقطوعة. حركة خجولة تدب في الشارع. تقف اليمامات على قضبان حديد النوافذ يفلين أنفسهن. رائحة شهية تتسلل إلى أنفي. إنها رائحة "المعسّل" تنبعث من نرجيلة جاري الجالس في شرفته تحت نافذتي مباشرة. مضى الليل هادئاً والقمر الذي بلغ من العمر 21 يوماً يتلألأ على ارتفاع منخفض في الأفق.

ومازالت كل وسائل الاتصال مقطوعة.

السبت 23 يوليو

استيقظت قبيل أذان الفجر. سارعت للتأكد من عودة الاتصالات لكن أملي خاب, الموبايل والهاتف الأرضي صامتان كمقبرة. نظرت عبر النافذة بحثاً عن قمر اعتلى قبة السماء. تتراقص نجمة الصبح, لعله كوكب فينوس أو الزهرة. لم أتمكن من النوم ثانية بسهولة بعد ارتفاع أصوات أذان الفجر من الجوامع العديدة التي تحيط بي.

***

مازلتُ في غرفتي المعلّقة المنعزلة عن العالم. صممت على الخروج للاتصال بالأهل والاطمئنان على الجميع. همست في سري: أيعقل أن "صلاح" لم يحاول الاطمئنان علي يوم أمس؟ هل جاء؟ هل مُنع من الدخول بعدما قرأت خبراً عن محاصرة الحي!؟ من هنا لا يمكنني رؤية شيء ولا أجرؤ على الخروج أيام الجمعة من البيت منذ اندلاع الاحتجاجات؟

بعد حمّام صباحي, بدأت أحضر نفسي للخروج, ومازال قلبي يهمس: قد يأتي صلاح.. فماذا لو وصل بعد مغادرتي البيت وليس من طريقة للاتصال؟

قبيل الحادية عشر وصل صديقي "صلاح" ولهفة بادية في عينيه. حكى لي عن حال الحي, الحواجز تنتشر بكثافة عند كل مفرق وشارع, وقد حاول الدخول مرتين مساء أمس لكن عناصر الحواجز منعوه خوفاً عليه, وطمأنه بعضهم: إن كانت قريبتك في بيتها فلا بأس عليها!

عزمت أمري على المغادرة واصطحاب اللابتوب, وتمضية بعض الوقت خارج البيت لأتمكن من الاتصال بأهلي وأصدقائي, لابد أن القلق استبد بهم. من بيتي وحتى الطريق الرئيسي (المسافة أقل من كيلومتر واحد) مررنا بخمسة حواجز عسكرية تفقّد عناصرها بطاقاتنا الشخصية وطلب بعضهم فتح الحقيبة الخلفية للسيارة. رتل من السيارات يتزايد عدده. ما إن وصلت الطريق الرئيسي حتى عادت تغطية الموبايل- التغطية محجوبة عن الحي فقط - أجريت اتصالاً سريعاً مع أهلي. قصدنا مقهى "ليناس" في "أبو رمانة" وأمضينا فيه ساعتين, اتصلت خلالهما بالأهل ثانيةً وفتحت الانترنت عبر ال 3G, بعد ذلك تسوّقت بعض الحاجات الضرورية وعدنا أدراجنا لنمر بنفس الحواجز مرة أخرى.

عند أحد الحواجز رأيت طاولة حديدية صغيرة عالية وضيقة يتربع عليها رشّاش خلفه جندي. لفت انتباهي صغر سن معظم عناصر الحواجز التي مررنا بها فبالكاد يتجاوزون العشرين. الجميع بلباسهم الميداني الكامل رغم الحر الشديد يتنكبون بنادقهم. في أيدي بعضهم أوراق بيضاء عرفت لاحقاً أنها قوائم اسمية لمطلوبين, ولهذا يدققون بطاقات الهوية الشخصية ثم يسمحون لنا بالمرور. بعض العناصر قاموا بتضييق الشارع بوضع حاويات القمامة بشكل عرضي فبالكاد تمر سيارة واحدة, حتى السرافيس العاملة على خط القابون- شارع الثورة كانت تُفتَش.

يتقدم صبيٌّ حاملاً بيده إبريقاً من الألمنيوم وكأساً صغيرة و(مصاصة متة) يقدمها للجندي. أمام الجندي زجاجة أفرغت من عصيرها وتحوي ماءً مثلجاً بل مجمداً, وهو يضع بعض المياه المثلجة الذائبة بفعل الحر على خوذته التي تبدو قماشية في مكان ما في وسطها.

حاجز آخر من عدة عناصر قرب السوبر ماركت الذي أتسوق منه حاجياتي ويقع عند الجسر الصغير قبيل الوصول إلى بيتي بخمسين متراً, بعض الجنود يستلقون على الأرض في ظل جدار هرباً من شمس يوليو اللاهبة. لم يُدقق العناصر في هويتي, لعلهم لا يبحثون عن أسماء نسائية مطلوبة. أعادني صلاح إلى البيت ثم مضى. تابعت يومي بشكل اعتيادي وبت ليلتي بهدوء.

صباح اليوم التالي خرجت إلى العمل.

العناصر والحواجز والبنادق اختفوا تماماً.

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Donate on Patreon
More ways to get involved

Search