غربال
زمن المجازر، تتداخل الحدود بين عوالم الأحياء والموتى، بين النجاة وعدمها. «غربال» قصة عن امرأة تجد اسمها في قائمة قتلى، وتحت وطأة الصدمة، تحاول تصحيح الحكاية.
غربال
"...بتول ياسين..."
كسكّينٍ عَبَرَني الاسم...
هذا اسمي الكامل، لا لَبسَ فيه، يَتَوَسَّط قائمةَ نعي على صفحةِ الفيسبوك الخاصّةِ بضحايا المجزرة.
أعيدُ قراءةَ الاسم، حرفاً فحرفاً، أعيدُ قراءةَ القائمة، مرّةً بعد مرّة، آملةً أن يختفي وسطَ احتشادِ الأسماء وتضيعَ حروفُه وسط الحروف الكثيرة... لكنّه عبثاً يفعل.
أحاول التنفّس بعمق مهدِّئةً نفسي.
**
"...بتول ياسين، 30 عاماً..."
يعودُ الاسمُ ليظهر في قائمةٍ على صفحةٍ أخرى! أسماءٌ جديدة أُضيفت... ويبقى هو بينها، ثابتاً ملتصقاً، مثل عَلقة تمتصُّ دمَ العين. يُرجفني الهلع حين أقرأ الرقمَ إلى جانبه، ألاحظُ أنّ القائمةَ مختصّة بالضحايا من الشبّان والصبايا، أرقامٌ صغيرة إلى جانب الأسماء، حيواتٌ لم تتّسع إلا للقليل...
أحاولُ طمأنةَ نفسي، لا بدّ أنّها صدفة، صدفةٌ لعينةٌ وحسب.
تُناديني أمّي لتناول الغداء، اسمي على شفتيها يبعثُ الأمانَ في صدري، هذا دليلٌ لا يمكنُ تزويره! أجلسُ قبالتها وأبي، كبرا كثيراً في الأيّام القليلة الماضية، أتأمّلهما بحزن؛ الرعبُ والقهرُ يصنعانِ الكثير... هل نَجَونا؟ أتساءل، لقد فقدنا رفاقاً وجيراناً، أحباباً كثر، قُتلوا بطرقٍ لم نكن لنتخيّلها في أكثر كوابيسنا وحشيّة...
أحدّق في عيون أهلي، جفّتْ كعيوني لكثرة البكاء، واحدُنا يشجّع الآخر ليأكل، لكن لا أحد يستطيع استساغةَ اللقمة.
أتركهما بعد أن أضع قبلة على جبين كلّ منهما. أعود إلى غرفتي وهاتفي، بتنا نلتصقُ بأجهزتنا الإلكترونية طوال الوقت؛ اتصالاتٌ سريعةٌ نُطمئن بها من بقي من أحبّتنا بأنّنا أحياء، ويطمئنوننا أنّهم كذلك، لا شيء آخر نقوله، لا شيء.
**
أكتب اسمي في خانةِ البحث، أضعه بين علامتي تنصيص لدقّة النتائج، تنسدلُ أمام عيني عشراتُ القوائم... أفتحُ أحدثها والتي تبدو قد أضافت تفاصيل جديدةً لوصفِ الضحايا... أفكّر في مُنشِئي هذه المنشورات، لِمَن يتوجّهون؟ مَن يحاولون إقناعَه بأنّنا أبرياء ولا نستحقُّ الموت؟! يفور فمي بالشتائم بينما تنزلق عيني بسرعةٍ على الأسماء، أقرأ مِهن الشبّان والصبايا: أطبّاءٌ وطبيبات وممرّضون وممرّضات ومهندسون ومهندسات ومعلّمون ومعلّمات...
"بتول ياسين، 30 عاماً، كاتبة..."
صاعقةٌ ترجفني.
أما من أحدٍ يدقّقُ هذه القوائم؟
أرمي هاتفي وأهرعُ إلى حضن أمّي، المكان الأكثر حقيقةً وسط كلّ هذا الجنون. لا تسلني أمّي عمّا بي، لدينا أسبابٌ كثيرةٌ للانهيار.
متّكئة على كتفها، ألمحُ أبي في الخارج. يبدو كمشهد من فيلم سينمائي؛ شرفتنا بزجاجها المهشّم، سماء رمادية تحيط بها، وأبي يمسّد بيديه نبتةَ حبقٍ تبدو يابسة كليّاً. أحاول تذكّر ما إذا كانت كذلك قبل المجزرة ولا أنجح. أحدّق في هيئة والدي، يداه ازدادتا ارتجافاً، كجذعٍ ضعيفٍ في عاصفة... أحاول تذكير نفسي بوجوب التماسك لأجلهما. أرفع رأسي عن كتف أمّي، أمسح دموعي بيديها وأقبّلهما طويلاً، في رأسي كان القرارُ قد تشكّل بالفعل.
**
قرأتُ عن دفنٍ جماعيٍّ يُقام اليوم للضحايا، وسوف أمضي. إمّا أرى جثّة هذه الفتاة التي لها اسمي وعمري ومهنتي، أو أصحّح لهم خطأهم!
أتفقّد وجهي في المرآة قبل الخروج، شاحبٌ تماماً، لا أشعر برغبةٍ في تزيينه أو تعديل أي شيء.
**
هناك، كانت الجموعُ متحلّقةً في المقبرة، نساء وعجزة وأطفال، تفحّصت عيني وجوههم، بدوا كما لو أنّهم أشباح، كما لو أنّهم هم الموتى... في الأرض كانت حفرٌ كثيرة، لا أستطيع إحصاءها، منفتحةً في انتظار الأجساد الطريّة، وجدتني أفكّر في غربال جدّتي، "هكذا نفصل بين الجيّد والسيء" كانت تقول.
قبرُ جدتي هنا أيضاً، توفّيت قبل خمس سنوات وأوصتنا أن ندفنها قريبةً منّا.
دون تخطيط، تقودني قدماي إليه...
يهزّني الغضب عندما أرى حفرتين كبيرتين قد فُتحتا بجانبه، ألا يعلمون أنّ القبورَ المجاورةَ يجب أن تبقى لأفراد العائلة؟ كنت على وشك مناداة حارس المقبرة عندما لمحتُ قطعةَ ورق صغيرة بجانب الحُفر...
"بتول ياسين ووالداها، 7 آذار 2025"
لم أفهم أوّل الأمر ما الذي تغيّر في الهواء، شعرتُ كأنّ المقبرة الفسيحة انقلبتْ إلى غرفةٍ شديدة الضيق... بقيتُ أقرأ الورقةَ كمن يختبر طعماً مرّاً لا يريد ابتلاعه، مرّةً، ثمّ مرّةً، ثمّ مرّةً أخرى، علّ الحروف فوقها تتبدّل.
تراجعتُ خطوة، فشعرتُ بالأرض تميد تحت قدميّ. لم أعد أرى الحشد المحيط بي؛ النساءَ المتّشحاتِ بالسواد، وجوههنّ الجريحة، الأطفالَ المتشبّثين بعباءات أمّهاتهم، والشيوخَ بعيونهم التائهة وظهورهم المحنيّة... صاروا بعيدين، صورٌ تُنسى داخل عتمةٍ قديمة.
**
"تشجّعي"
جاء الصوت من الخلف. التفتُّ فوجدتُ أبي، أو ما يشبهه، وجهه شاحبٌ وعيناه غائرتان، يده المرتجفة تحاول الوصولَ إليّ وتمسيد كتفي. تعبر ذهني صورةُ نبتةِ حبقٍ يابسة، بينما قدماه تغوصان في التراب.
وددتُ أن أناديه، أن أقول شيئاً، لكنّ صوتي لم يخرج، وشعرت بيد أمّي تمتدُّ إليّ، تشدُّ أزري.
"بتول..."
هذه المرّة جاءني الصوت من الأمام، الصوت العتيق محمّلاً بالحنان، "بتول... تيتا"، وعبرت ذهني كلّ تلك الأمسيات الدافئة، أتوسّط حضنَ جدتي وهي تروي حكايات، حكاياتٍ عن أميراتٍ ووحوش...
يدُ أمّي على كتفي، سوف نبقى معاً، والحكايةُ تناديني، الأميرةُ لن تستيقظ هذه المرّة، والوحوشُ تسعى فوق الأرض...
"لا تخافي تيتا"
دون مقاومة، سقطتُ في الحكاية.