Skip to main content

سياسة الإسكات الأبديّ

انطلاقاً من التصوير الأدبي للسلطة والعنف لدى وليام شكسبير وجوزيف هيلر، تبحث الكاتبة فاطما خضر في كيفية عمل الآليات نفسها في سوريا اليوم. ويجادل النص بأن الاضطهاد والمجازر التي يتعرض لها العلويون والدروز لا تقتصر على العنف الجسدي، بل تشكّل أيضاً محاولة ممنهجة لإسكات الأصوات، وإنكار التجارب، وتحريف التاريخ.

Credits فاطما خضر October 08 2026

تعود عبارة «Tongueless Dead Men» إلى الأدب الكلاسيكي الأمريكي، وتحديداً الفصل الثالث من رواية جوزيف هيلر ذات اللغة السوداء الساخرة «Catch22»، في سياق تصوير الأجواء العبثية التي سبقت مهمّة قصف بولونيا، خلال الحرب العالمية الثانية. لا تقبل هذه العبارة القوية ترجمة حرفية، لأنّها ستقتل جوهرها: «رجالٌ ميتون بلا ألسنة/ أمواتٌ بُكمٌ/...»، فهي تتجاوز الوصف، وتكتنز دلالة ورمزية عميقتين.

ولمزيد من فهم معناها، نذهب إلى الأدب الكلاسيكي الإنكليزي، في مسرحية شكسبير «هنري السادس-الجزء الثاني»، ومشهد إعدام «لورد ساي»، المعروف ببلاغته ودعمه للتعليم والقانون، بأمر من «جاك كاد» الذي مثَّل نموذجاً لغوغائية الثورة الجاهلة، التي تتخذ العنفَ أداةً، والفوضى مَنهجاً، من دون تطبيق أدنى معيار للعدالة. يأمر كاد قبل لحظة الإعدام وعلى مسمع ساي، بقطع رأسه عشر مرّات:

»Well, he shall be beheaded for it ten times. «

يتجاوز هُنا فعلُ قطع رأس رجل ميّت عشر مرّات، فعلَ القتل نفسه، إلى فعل وأد أفكار الميِّت، وقيمه، وقصّته الحقيقية، وماضيه بالقوّة وإلى الأبد. إنها طريقة وحشية وهمجية لا تكتفي بموت الخصم، وإنما ترمي إلى التزوير والتشويه، وقتل السلاح الأقوى للإنسان: «اللسان» أي «الكلمة»، كما في عبارة هيلر. «الرأس» أي «العقل»، كما في عبارة شكسبير، وفي المحصلة قتل «الحقيقة»، أي «ما سيُروى»، و «ما سيُصبح جزءاً من التاريخ».

قدَّم كلٌّ من هيلر وشكسبير صورتين عميقتين عن القمع السياسي، والوحشية التي يمكن أن يصل إليها الإنسان في صراعه على السلطة، وعن سياسة الإسكات الأبدي للحفاظ عليها. صورتان يمكن أن تعكسا الواقع السوري الحالي، الراضخ لسلطة الإسلام السياسي، التي تعمد إلى تكميم الأفواه، وتزوير الحقائق، وتشويه ما سيُروى عبر التاريخ، وتدمير كثير من القيم الثقافية والتقاليد المجتمعية للمكوّنات السورية في بيئاتهم المختلفة.

بعد مجازر آذار/مارس (2025)، التي بدأت في السادس منه، وما زالت مستمرة بأساليب متعدّدة، يعيش العَلويُّون المعنى الدلاليَّ والرمزيَّ لعبارة هيلر، مع استبدال كلمة «Alawites» بكلمة «Men»، لتصبح: «Tongueless Dead Alawites»، إذ يتعرّضون لسياسة إسكات أبدي، و"قطع الرأس عشر مرات".

بعد المجازر، اشتُرط على من أراد استصدار شهادة وفاة لمن قضى من أهله، أن يذكر سبب الوفاة "القتل على يد فلول النظام السابق"، رغم أنَّ الفيديوهات التي وثّقها القتلة بأنفسهم دليلٌ دامغٌ على هوية القاتل: عناصر الأمن والفصائل التابعة للحكومة التي يقودها أحمد الشرع (الجولاني)، إضافة إلى مدنيين شاركوا في الانتهاكات بدافع طائفي. وهو ما خلص إليه تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، (14 آب/أغسطس 2025)، مؤكداً أنّ أعمال العنف التي اجتاحت الساحل وغرب وسط سوريا، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، واستهدفت المجتمعات العَلويَّة، وبلغت ذروتها في مجازر آذار، حيث وُثِّق مقتل أكثر من 1700 عَلوي، بينهم 90 امرأة وعشرات الأطفال. وتُركت الجثث في الشوارع لأيّام، ومُنعت العائلات من دفنها وفقاً للطقوس الدينية، ودُفن آخرون في مقابر جماعية بلا توثيق، ونُهبَت وحُرقَت عشرات القُرى، ما أدَّى إلى نزوح آلاف المدنيين.

لم تكن تلك سوى البداية. فبعد انتهاء أيّام العنف الرئيسية، نفذت فصائل الحكومة الانتقالية حملات ممنهجة لتهجير العلويين قسريّاً. في آب/أغسطس (2025)، اقتحمت قوات الأمن حي السومرية بدمشق، مدجّجة بالأسلحة وأوامر الإخلاء. ثمّ تركوا على كلّ منزل علامة بخط أسود كبير: «X» أو «O»، لتحديد من يمكنه البقاء ومن يتوجّب عليه الرحيل، مع التهديد بالقتل لمَن يعترض أو يحاول رفع صوته للمناشدة. قاموا بعدها بتمزيق وإتلاف وثائق ملكية المنازل التي قدّمها أهالي الحي، رغم أنّها قانونية ومصدّقة رسميّاً في محافظة دمشق، ورُفض الاعتراف بهذه الأوراق بحجة أنّها صادرة خلال عهد النظام السابق.

كما شهد ريف حمص، وأحياء مدينة حمص التي يقطنها عَلويون، أواخر تشرين الثاني/نوفمبر وأوائل كانون الأول/ديسمبر (2025) عمليات قتل انتقامية وهجمات ذات طابع طائفي، ترافقت مع إحراق محال تجارية ومركبات، وإطلاق نار عشوائي أدّى إلى مقتل وإصابة مدنيين؛ ونزوح جماعي. وما هذا بمجمله سوى تجسيد آخر لعبارة هيلر، مع انزياح مُغاير: «Tongueless Alawites Displaced». ولأمر كاد بقطع الرؤوس عشر مرات.

من أسوأ مظاهر سياسة الإسكات الأبدي، نفي الحكومة الانتقاليّة الخطفَ الممنهج للنساء العَلويَّات، وتأكيدها إثبات "حالة واحدة فقط"، رغم صدور تقارير دوليّة عن منظمة العفو الدوليّة، ولجنة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، وتحقيق نشرته مجلة نيويورك تايمز وغيرها، وثّقت اختطاف عشرات العَلويَّات على أساس طائفي، وتعرضهنَّ للعنف الجنسي: (الاغتصاب الفردي والجماعي، الذي نتج عن بعض حالاته حَمْل، التزويج القسري)، إضافة إلى الضرب، والتعنيف اللفظي والشتائم الطائفية، وإجبار بعضهنّ على أداء طقوس دينية أو ارتداء النقاب. قلّة منهنّ عُدنَ إلى عائلاتهنّ بعد ابتزاز ماليّ، وأكثرهنّ مجهولات المصير، ونُسجَت لبعضهنّ حكايات، أُجبرن على قصّها لجمهور التواصل الاجتماعي والرأي العامّ، ليتكلّمن بلسان غير لسانهنّ، مثل: «مي سلّوم، ميرا ثابت، وبتول علوش». يمثل هذا الإنكار قتلًا نفسيًّا ومعنويًّا، يماثل أمر "كاد" بالقتل مراراً، ويجسّد أيضاً عبارة هيلر، مع انزياح ملائم:

»Tongueless Abducted Alawites Women. «

لم تقتصر سياسة الإسكات الأبدي على العَلويين، فالأمر تكرّر مع الدروز في مجازر السويداء بتاريخ 12 تموز/يوليو 2025، وما بعده. مئات المقاطع المصوّرة لعناصر السلطة الانتقالية ومؤيديها توثّق قتل مدنيين دروز (شيوخ وأطفال ونساء وأطباء وممرضين)، وتقرير لجنة التحقيق الدولية، وثَّق مقتل نحو 1200 درزيّاً، وعمليات إعدام وتعذيب وعنف جنسي وحرق منازل على نطاق واسع. كما وثقت منظمة العفو الدولية إعدام عشرات الأشخاص خارج نطاق القضاء، واختطاف ما لا يقل عن 105 امرأة وفتاة درزية على أيدي جماعات تابعة للسلطة الانتقالية، وحالات اغتصاب لبعض النساء، ومقتل عدد منهنّ بعد الاغتصاب، فضلا عن حرق أكثر من ثلاثين قرية، وإجبار آلاف العائلات على النزوح القسري. رغم كل ما سبق، بررَّت السلطة وجمهورها الانتهاكات، ونفت مسؤولية عناصرها، في امتدادٍ مأساويِّ لمنطق العنف نفسه: إسكات الصوت، تزوير الحقائق، و تجريد الإنسان من هويّته قبل تجريده من حياته. ومن جديد، يتجسّد مشهد مسرحية شكسبير، بصورة وحشية، مع انزياح للعبارة الأصليَّة إلى:

»Well, Druze shall be beheaded for it ten times. «

وتتجلّى عبارة هيلر القاسية، وفق انزياحات لغويّة ملائمة:

»Tongueless Dead Druze» - «Tongueless Druze Displace« - »Tongueless Abducted Druze Women«

وهكذا جمع عام (2025) القهر الدامي لعَلويي سوريا ودروزها، بين مجازر امتدت لأيّام، حرق قرى، تهجير سكّان، إعدامات ميدانية للرجال، خطف واغتصاب نساء، حرق وتكسير مقامات دينية، تحقير معتقدات، مقابل تحريض وتصفيق جمهور السلطة، التي واصلت الإنكار، ووظّفت الإعلام الرسمي لتكريس روايتها، وخلق سردية بديلة قائمة على الإسكات الأبدي، السياسة التي رمى شكسبير إليها في مشهد من مسرحيّته، عن أحداث من القرن الخامس عشر، سبقت حربًا أهلية نجمت عن تفكّك سلطة الدولة وسقوط النخب المثقّفة في مواجهة ثورة قادها رعاع، وعبّر عنها بموت «لورد ساي» على يد رجال «جاك كاد» وبأمر منه. مشهد يشبه ما تعيشه سوريا في القرن الواحد والعشرين، من غياب للعدالة، وعنف أهليّ، وقطع ألسُن كما وصفه هيلر في روايته، وأكثر من ذلك: اقتلاع قلوب، كما في حالة الشاب سليمان سعد، الذي شقّ القتلة صدره، وانتزعوا قلبه، ووضعوه فوق جثته.

إنّه فارق زمنيّ بسيط بين عنف تاريخيّ ومعاصر، ستة قرون فقط، ستمائة عام بعد عصور أوروبا الوسطى. فمتى تنتهي عصورنا الوسطى في سوريا الأمويّة[1]؟


[1] سوريا الأمويّة: بعد سقوط نظام الأسد، خرج مؤيدو الجولاني (أحمد الشرع) يهتفون بشعار يحمل أبعاداً طائفية وسياسية: «دمشق أموية. دمشق لنا إلى يوم القيامة»، يستحضرون به الخلافة الأموية (661-750م) التي كانت خلالها دمشق مركزاً سنّياً سياسياً ودينياً، ويقصون من خلاله بقية المكونات السورية (المسيحيين، العلويين، الدروز، الكرد، الإسماعيليين، والعلمانيين... وغيرهم، بما فيهم السنّة غير الأمويين).

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Donate on Patreon
More ways to get involved

Search